مواطنون بلا شهود
2025-12-29 الساعة 12:17:00
لبنان أمام اختبار الشهادة الإنسانية
#نيكول_صدقة
في الأسابيع الأخيرة، سجّل لبنان حوادث متفرّقة لكنها متشابهة في معناها: رجل مريض تُرك من دون متابعة، سيّدة مسنّة فارقت الحياة داخل مأوى من دون أي زيارة، وطفل عُثر عليه على قارعة الطريق قرب حاوية نفايات.
وقائع مختلفة في الشكل، واحدة في الجوهر: غياب الشاهد.
هذه الحوادث لم تأتِ على شكل كارثة وطنية واحدة، بل كأخبار متناثرة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتتحوّل سريعًا إلى مادة تُقرأ ثم تُنسى.
اللافت أنّ هذه القصص لم تُقابل بصدمة جماعية حقيقية. ردود الفعل اقتصرت على موجات تعاطف رقمية سرعان ما خمدت، من دون أن تُطرح أسئلة جدّية حول البيئة الاجتماعية التي تسمح بتكرار مثل هذه الوقائع، أو حول مسؤولية المجتمع تجاه أفراده الأكثر هشاشة.
في ظل ضغط معيشي متواصل، تحوّلت المعاناة الفردية إلى تفاصيل ثانوية. المواطن بالكاد يواكب يومه، فيستبدل الشهادة بالفعل الافتراضي، ويُختصر الحضور الإنساني بتعليق أو مشاركة.
الحادثة الأخطر ليست تلك التي تُوثَّق بالكاميرا، بل تلك التي تمرّ من دون ذاكرة جماعية. الرجل المريض، المسنّة في المأوى، والطفل المتروك على الطريق، لم يكونوا بحاجة إلى ضجيج إعلامي، بل إلى منظومة اجتماعية تُشعرهم بأنّ وجودهم مرئي ومُعتبَر.
ما يحدث لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في سلوك المجتمع نفسه. مجتمع يتكيّف مع القسوة بدل أن يواجهها، ويعتاد الصمت بدل أن يكسره.
لبنان اليوم لا يفتقد إلى الأخبار، بل إلى الشهادة.
والسؤال لم يعد كم حادثة سننشر بعد، بل كم إنسانًا يجب أن يمرّ بصمت قبل أن ندرك أنّ الصمت نفسه بات جزءًا من المشكلة.









©