سميراميس… من الأسطورة إلى شاشة الهاتف
2026-01-07 الساعة 11:18:00

لم تكن سميراميس مجرّد ملكة عبرت كتب التاريخ، بل فكرة حيّة، تتجدّد كلما قرّرت امرأة أن ترفع صوتها في عالم لا يزال يفضّل الصمت الأنثوي على الجرأة. سميراميس هي رمز المرأة التي كسرت القالب، وحكمت بعقلها قبل سيفها، ودفعت ثمن قوّتها تشويهًا وتشكيكًا وأساطير متراكمة.
اليوم، لم تعد المعركة على عرشٍ من حجر، بل على مساحة من الضوء: شاشة هاتف، منصة إعلام، صورة، كلمة، موقف. المرأة المعاصرة لا تحارب الجيوش، لكنها تحارب الصور النمطية، الأحكام السريعة، والتنميط القاسي الذي يصنعه الإعلام أحيانًا ويعيد تدويره بلا وعي.
في عالم السوشيل ميديا، تُختصر المرأة بلقطة، وتُحاكم بتعليق، ويُقاس حضورها بعدد الإعجابات لا بعمق الفكرة. ومع ذلك، ما زالت سميراميس تسكن كثيرات: في الصحافية التي تصرّ على قول الحقيقة، في الأم التي تبني أجيالًا بصمت، في الفنانة التي تخلق الجمال وسط الفوضى، وفي كل امرأة ترفض أن تكون رقمًا أو صورة.
أتذكّر يومًا حوارًا جمعني بالشاعر والأديب الكبير نبيه أبو سليمان، حين أطلق ديوانه الشعري الذي حمل عنوان «سميراميس»، وكنتُ يومها أعمل على تصميم غلاف الديوان. سألته بدافع الفضول: لماذا اخترت هذا العنوان؟ ابتسم وقال:
''لأن كل قصيدة فيه تحكي عن المرأة التي في داخلها شيء من سميراميس.''
كانت جملة بسيطة، لكنها عميقة. فهمتُ يومها أن سميراميس ليست امرأة واحدة، بل طاقة كامنة في كل أنثى: قوة، ذكاء، حساسية، تمرد، وقدرة على إعادة بناء الذات مهما تغيّرت الظروف.
الإعلام اليوم أمام مسؤولية كبرى: إما أن يكرّس صورة المرأة كسلعة استهلاكية أو مادة للجدل السطحي، وإما أن يعيد لها دورها الحقيقي كصانعة رأي، وشريكة في القرار، وضمير حي للمجتمع. فالإعلام ليس مرآة فقط، بل أداة تشكيل ووعي.
ربما تغيّر الزمن، وتبدّلت الأدوات، لكن السؤال نفسه ما زال قائمًا منذ عهد سميراميس حتى اليوم:
هل يخاف المجتمع من المرأة القوية… أم من التغيير الذي تحمله معها؟
سميراميس لم تمت.
هي في كل امرأة ترفض الانكسار، وفي كل صوت لا يقبل التهميش، وفي كل إعلام حرّ يختار الحقيقة على الضجيج.
نيكول_صدقة


Developed by ©