التقدم إلى الوراء...
2019-06-18 الساعة 13:13:00

#نيكول_صدقة

أسفاً !على زمنٍ كانت فيه الأيادي تتشابك، والأفئدة تتآلف، والارواح تتعانق!
أسفاً! على زمنٍ ، كان فيه الإيثار مفخرةً، والتضحيةُ شعاراً، والالتحام بالاخوة والاهل والاقارب بهدف تشكيل سدٍّ منيعٍ ، في وجه شرٍّ زاحف، أو رمّاحٍ قاذف أو صرصرٍ عاصف.
أمّا اليوم! وفي هذا الاتّون الملتهب، والمصطخب بالانانية وحبّ الذات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصالح الشخصيّة، وحيث المجتمع، يتقدّم إلى الوراء بسرعة جنونيّة، ككرة الثلج التي راحت تهوي من اعلى الجبل الى قاع الوادي.
وهي _وكلّما تقدّمت_ تزداد حجماً وقوّةً وسرعةً واندفاعاً.
في السياسة اوّلاً، يتبارى المرشّحون ويتسابقون الى تحطيم بعضهم بعضاً، وكلّ ذلك،من اجل الوصول الى كرسيٍّ ما جُعِل في الاساس الّا للعمل الدؤوب والخدمة العامة ، لا للكسب،شهرةً ومالاً وجاهاً وسلطةً!
وفي بستان الثقافة، أسفاً على أيّامٍ كان يؤمّ المدينة عمالقة شعرٍ ، وجهابذة أدبٍ وفن. يتحاورون، يتنادمون، يتساقون المعرفة، ويتبادلون المعلومات!
أمّا اليوم، فماذا نرى؟!
كلاً منهم يضع نفسه في كرسيّ الزعامة. فبنظره ، لا قبله ولا بعده.
يتباعدون، يتقاذفون السّهام. ومن أغرب ما عرفت وشاهدت شاعرٌ كلّف بتحضير مباراة ادبيّة عمادها الشعر.
فراح يختار الاقلّ خبرة وجدارة، مستبعداً المحلّقين في ذلك المجال. ليتبيّن لي بعد ذلك انّ ما أقدم عليه ، كان يهدف الى ان يبقى في نظر الحاضرين الشّاعر الافضل، ولو كان كلّ ذلك على حساب المستوى الشعري، في مدينةٍ سما اسمها الى مرتبة النجوم!
ويدبّ الغليان في القلوب النقيّة.
أ-كيف يتم تكريم _وعلى سبيل المثال لا الحصر_ مدرّسٍ أنهى خدماته التى قضاها في الغياب وعدم المسؤولية، لمجرّد انّه منتمٍ الى زعيمٍ سياسيّ؟ في الوقت الذي يستبعد فيه عن لائحة المكرّمين، مدرّسٌ أثنى حياته في خدمة النشء وكان القدوة بين زملائه، والمرجع العلميّ لهم في كل مشكلة تعليمية تعترضهم؟
ب-واذا حصلت اعجوبة، وتمّ تكريم مبدعٍ في ميدانه، لأنه غزا الأفئدة وأطربها بعطاءاته، هل يسلم من السّهام المسمومة؟
-ألم يجدوا أفضل منه لتكريمه؟
-من المؤكّد انه رشا بعض المتنفّذين كي يقدموا على خطوة التكريم؟
-أليس فلان أفضل منه؟
وهكذا..! رحت أسأل نفسي!
أين تكمن العلّةُ في شيوع هذا الفساد المستشري؟!
-أفي الحسد الذي احتلّ القلوب وتحصّن فيها؟!
-أم في آفة الغرور المهيمنة على النفس البشريّة؟
-أم في ال''أنا'' الجامحة ، لدى كلّ من اعتنق تعاليم ابليس؟!
وأعود الى التساؤل:
متى ستعود الروادع الأخلاقيّة ، الى لجم هذا الانحدار المخيف ؟!
وأيضاً أتساءل هل ستحوّل هذه الجنّة السّمحاء الى بقعة فردوسيّة في الظّاهر ، يُسكنها القدر على فُوّهة جحيمٍ لا يخفت إيوارها، ولا انطفاء لنارها.


Developed by ©